عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
162
اللباب في علوم الكتاب
2489 - له الويل إن أمسى ولا أمّ سالم * قريب ولا البسباسة ابنة يشكرا « 1 » وفي القرآن : وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً [ الأحزاب : 63 ] . وقال أبو عبيدة « 2 » : « قريب في الآية ليس وصفا لها ، إنّما هو ظرف لها وموضع ، فيجيء هكذا في المفرد والمثنى والجمع ، فإن أريد بها الصّفة ؛ وجب المطابقة ، ومثلها لفظة بعيد أيضا » إلّا أنّ عليّ بن سليمان الأخفش خطّأه قال : « لأنّه لو كانت ظرفا لانتصب كقولك : « إنّ زيدا قريبا منك » وهذا ليس بخطأ ، لأنّه يجوز أن يتّسع في الظّرف ، فيعطى حكم الأسماء الصّريحة فتقول : زيد أمامك وعمرو خلفك برفع أمام وخلف ، وقد نصّ النّحاة على أنّ نحو : « [ إن قريبا ] منك زيد » أن « قريبا » اسم « إنّ » ، و « زيد » خبرها ، وذلك على الاتّساع » . و « مِنَ الْمُحْسِنِينَ » متعلّق ب « قريب » ، ومعنى هذا القرب هو أنّ الإنسان يزداد في كلّ لحظة قربا من الآخرة وبعدا من الدّنيا ، فإنّ الدّنيا كالماضي والآخرة كالمستقبل ، والإنسان في كلّ ساعة ولحظة يزداد بعدا عن الماضي ، وقربا من المستقبل . قال الشّاعر : [ الطويل ] 2490 - فلا زال ما تهواه أقرب من غد * ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس « 3 » ولمّا كانت الدّنيا تزداد بعدا في كلّ ساعة ، والآخرة تزداد قربا في كلّ ساعة ، وثبت أنّ رحمة اللّه إنّما تحصل بعد الموت ، لا جرم قال اللّه - تعالى - : إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ . فصل في دحض شبهة للمعتزلة قالت المعتزلة : العفو عن العذاب رحمة ، والتّخلّص من النّار بعد الدّخول فيها رحمة [ فوجب ألا يحصل ذلك لمن لم يكن من المحسنين والعصاة وأصحاب الكبائر ليسوا من المحسنين ] « 4 » فوجب ألّا يحصل لهم العفو عن العقاب والخلاص من النّار . والجواب : أنّ من آمن باللّه وأقرّ بالتّوحيد والنّبوّة ، فقد أحسن بدليل أن الصّبيّ إذا بلغ وقت الضّحوة ، وآمن باللّه ورسوله ومات قبل الوصول إلى الظهر فقد اجتمعت الأمّة على أنّه دخل تحت قوله : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى [ يونس : 26 ] وهذا لم يأت بشيء من الطّاعات سوى المعرفة والإقرار « 5 » . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 57 ] وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 57 )
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) ينظر : مجاز القرآن 1 / 216 . ( 3 ) ينظر : الرازي 14 / 112 . ( 4 ) سقط من ب . ( 5 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 111 .